إمامة ضد حمل سنّة لبنان السلاح في سوريا
الثلاثاء، 23 أكتوبر 2012
وجهة نظر
ماذا قدّم «الثنائي الشيعي» للبقاع الشمالي؟
عفيف دياب
ماذا قدّم حزب الله وحركة أمل لبلاد بعلبك
ــ الهرمل؟ عشرون عاماً و«الثنائي الشيعي» يحتل المقاعد النيابية
والوزارية ووظائف الفئة الأولى المخصصة لقضائي بعلبك ــ الهرمل. عشرون
عاماً وحركة أمل وحزب الله ينطقان رسمياً وشعبياً باسم «البلاد المحرومة».
عشرون عاماً و«الأمر لهما» من دون منازع أو منافس. عشرون عاماً وخطاب سياسي
واحد لم يتغير حرفاً لوضع حجر أساس لمشروع تنموي واحد. عشرون عاماً تغيّر
خلالها شكل ممثلي الثنائي الوزاري والنيابي، فيما بقي مضمونه عصياً على
التغيير. عشرون عاماً و«شتلة» الحشيشة تنتظر بديلاً... وعشرون عاماً وخطاب
«الثنائي» عن الحرمان والمحرومين في بلاد بعلبك ـــ الهرمل لم ينتهِ بعد.
عشرون عاماً ومستوى الخدمات الإنمائية والتنموية والثقافية يتراجع حتى وصل
إلى الخط الأحمر، فاستيقظ الثنائي لاستدراك خطأ أو لاستيعاب قلاقل بدأت
تقضّ مضاجع يومياتهم السياسية في زمن الانقسامات العمودية في لبنان. ففي
جردة أولية وسريعة، يتضح أن نواب حركة أمل وحزب الله في بعلبك ــــ الهرمل،
لا تختلف يومياتهم التشريعية والسياسية والاجتماعية عن يوميات غيرهم من
نواب لبنان. فالرئيس نبيه بري الذي ينشط هذه الأيام لوضع البقاع تحت راية
الدولة اللبنانية أمنياً، يعرف جيداً أن البقاع الشمالي أرهقته المناشدات
للدولة بتنفيذ مشاريع إنمائية. وهو يعرف أيضاً، إذا ما عاد إلى خطاباته
السابقة في شمال البقاع، أن جدول مطالبه لإنماء المنطقة لم يتغير بنداً
واحداً منذ 20 عاماً. فلا المشاريع التي نادى بها تحققت، ولا فرص العمل
توافرت، ولا الهجرة الداخلية التي تزداد نسبتها سنوياً توقفت، ولا الزراعات
البديلة تحققت، ولا بناء سد العاصي وسدود أخرى وبرك مياه اصطناعية
واستصلاح الأراضي الزارعية قد نفذت، ولا طرق الموت أوقفت حصدها لفقراء
الشمال البقاعي. وإذا أردت تعداد ما طالب به الرئيس بري وحزب الله على مدى
عقدين، اكتشفت أن من حق ناس بعلبك ــ الهرمل أن يسألوا هذا الثنائي: «ماذا
قدمتما لنا من تنمية ومشاريع إنتاجية وأنتما رب السلطة والحكومات
المتعاقبة؟».
عشرون عاماً وحركة أمل وحزب الله في السلطة التنفيذية، أو إن قرار صناعتها
بيدهما. فمطالب نوابهما وخطاباتهم المملة ومجموع وزرائهما طوال العقدين
المنصرمين، ليست إلا إدانة واضحة وصريحة لتقصير هذا «الثنائي» الذي لم ينجح
حتى الآن في تشغيل مستشفى حكومي واحد، ولا شق طريق واحدة «متل الخلق» أو
حتى تعبيدها بشكل لا تفوح منه رائحة فساد. ولولا التدخل الإيراني المباشر
لشق أوتوستراد بعلبك ــــ الهرمل، لبقيت الطريق على الحال التي كانت عليها
منذ أيام الانتداب. وهما لم ينجحا حتى في توفير فرصة عمل واحدة من دون ذلّ
طالبها. ولم يحققا لأهلهما و«شعبهما» ما حُرموه منذ تأسيس لبنان الكبير.
وبالتالي فإن من حق ناس بعلبك ـــ الهرمل أن يسألوا ممثليهم في السلطتين
التشريعية والتنفيذية: ماذا قدمتم لنا وماذا فعلتم بنا؟ وبماذا قصّرنا معكم
حتى تقصّروا معنا؟ أين مشاريعكم الإنمائية، وأين مؤسسات الدولة التي
تتحكمون بها؟ ولماذا تطلبون منا ما عجزتم عن تحقيقه في عقدين من الزمن؟
على الحدود
ثوار سوريا اللبنانيون عبء على الثورة
عفيف دياب
من مشاريع القاع وجرود عرسال، وصولاً الى الطفيل وقرى سورية ثائرة على الضفة الأخرى من الحدود، عشرات المقاتلين اللبنانيين ينتشرون مع مقاتلي المعارضة السورية في الأودية وخلف المتاريس. يمارسون هواياتهم في التمرد والفوضى والتهريب. وحدهم ضباط من «الجيش السوري الحر» يعملون على وقف هرطقات أولاد لبنان الشقيق
****
يخرج زائر خط الحدود اللبنانية ــ السورية، وبعض الداخل السوري، بانطباعات قاتمة. أصبح اللبنانيون قادة ثورات
وخبراء في فنون العسكر والقتال واستراتيجيات «هزّ» كيانات أنظمة، ومعلمين
في فكّ حروف لغات الانتفاضات الشعبية. أصبح كل لبناني يقطن على مقربة من
حدود سوريا وعلى تواصل يومي مع شعبها، إن تهريباً أو علاقة مصاهرة أو
صادقاً في حبه لفقرائها، صاحب حق في رسم مسار ثورة وتقرير مصيرها.
يعود زائر حدود لبنان الشرقية مع سوريا بمشاهد متنوعة. المناصرون
لـ«الثورة» ضد نظام الرئيس بشار الأسد، تخالهم وصلوا للتو من معسكرات تشي
غيفارا في غابات كوبا، فيما يوحي مناصرو النظام اللبنانيون بأن الرئيس
السوري لا يقدم على خطوة عسكرية من دون استشارتهم. وحدهم السوريون يدفعون
ثمن «تخبيصات» مجموعات لبنانية، موالية ومعارضة، تصفّي حساباتها اللبنانية
بالرصاص على أرض حمص والقصير وجوسية وربلة والنزارية، مروراً بفليطا وعسال
الورد ورنكوس وأطراف الطفيل بجانبيها السوري واللبناني، وصولاً إلى دمشق
ومزارعها الغربية والجنوبية.
يجلس «الثائر» اللبناني أحمد مع مجموعة من المقاتلين السوريين في أطراف
مشاريع القاع. لا يتجاوز عمر الشاب العقدين. يرسم للسوريين الخمسة خطة
هجومهم على موقع للجيش النظامي. يرسم على التراب، بسكين صغيرة، خريطة
الهجوم والاقتحام... والانسحاب إلى لبنان. يستمع الخمسة، بانتباه شديد، إلى
«القائد» أحمد وأفكاره العسكرية. يعيد الشرح مرة تلو أخرى. يستفسرون عن
بعض النقاط الملتبسة في الخطة، فيشرح مجدداً. يسدل الليل ستاره. تنطلق
المجموعة للهجوم. أقل من نصف ساعة وتسمع رصاص الاشتباك المتبادل بين
«الثوار» وحامية الموقع غير البعيد عن قرية ربلة. يحاول «القائد» أحمد، بعد
نصف ساعة من الهجوم، الاتصال بالمجموعة. لا أحد يجيب: «يمكن استشهدوا»
يقول. ويتابع: «ما التزموا بالخطة اللي حطيتها»!
تسأل «القائد الثائر» عن علومه العسكرية والمعارك الحربية التي خاضها.
الشاب البقاعي المتحمس لإسقاط نظام الأسد لا يعرف من «العسكر» إلا بندقية
كلاشنيكوف تدرب على الرمي بها في جرود قريته بالفطرة: «السوريون مساكين ما
بيعرفوا شي. لازم نساعدهن». لكنك سببت مصيراً مجهولاً لخمسة أشخاص؟ يجيب
الذي لا يعرف إلا مهنة التهريب منذ أن ولد: «هني ما فهموا عليّ»!
يدّعي لبنانيون مناصرون لـ«الجيش السوري الحر» أنهم «أهل الصبي»، وأن
«الثورة» السورية تحتاج إلى خبرات عسكرية لبنانية. ففي جولة على مواقع
مقاتلين لبنانيين وسوريين يتبين أن المجموعات اللبنانية ليست إلا عبئاً على
«الثورة». لا يخفي أحمد «أمّيته» في العلوم العسكرية، لكنه لا يجد حرجاً
في التعلم... تعلّم يبدو أنه يودي بحياة شباب سوري متحمس يعمل ضباط سوريون
منشقون على وضع حدّ له ووقف «هرطقات» بعض اللبنانيين. يقول النقيب أمجد على
محور فليطا ــــ عرسال إن مجموعته تضم «ثواراً» من لبنان، و«لكننا لا نسمح
لهم إلا بتوفير الدعم اللوجستي». ويؤكّد: «نحن نقرر أين ومتى وكيف نشنّ
هجماتنا على مواقع الجيش» السوري، مشيراً إلى أن هناك مجموعات سورية
لبنانية مسلحة تهاجم مواقع للجيش السوري «من دون تنسيق معنا وفاتحة على
حسابها».
كلام النقيب أمجد لا ينطبق على أرض الواقع؛ فمشهد «القائد» أحمد يتكرر في
أكثر من نقطة حدودية تقع تحت سيطرة مقاتلين سوريين ولبنانيين لا علاقة
«عسكرية» لهم مع «الجيش الحر». على الخط الحدودي اللبناني ــ السوري بعمق
نحو كيلومترين داخل الأراضي اللبنانية، ويمتد على مسافة تقدر بنحو 90 كلم
من مشاريع القاع، مروراً بجرود رأس بعلبك وعرسال، وصولاً إلى الطفيل
وامتداداتها نحو لبنان وسوريا، تنتشر مجموعات قتالية أو مراكز تدريب محدودة
ومتواضعة «لا يمكن وصفها بمواقع ذات قيمة عسكرية يعول عليها»، بحسب أحد
اللبنانيين كان قرب قرية معربون المتاخمة للحدود مع سوريا. يوضح الشاب
الثلاثيني أن هذه المواقع هي «محطة انطلاق أو استراحة قبل اجتياز الحدود
الدولية نحو الأراضي السورية»، مؤكداً أن تجمعاتهم ليست ثابتة. ويوضح
قائلاً: «ندخل إلى الأراضي السورية وننفذ عمليات ضد الجيش النظامي، ثم نعود
إلى الأراضي اللبنانية قبل القيام بهجوم آخر». ويقول مقاتلون لبنانيون
وسوريون يتخذون من وعورة جرد رأس بعلبك مواقع آمنة، إن عبورهم لمناطق
مختلفة من ريف دمشق المتاخمة للحدود مع لبنان «يكون ليلاً ونهاراً بالتنسيق
مع جنود نظاميين يتلقون رشى مالية»، ويكشفون أن «مهماتهم تقتصر على تهريب
بعض البنادق وذخائرها، ومواد غذائية». ويقول أحدهم: «أحيانا نهاجم دورية
إذا اعترضت طريقنا».
هل «المساعدة» اللبنانية لـ«ثوار» سوريا، تقتصر فعلياً على مجموعات من
المهربين وجدوا في دعم «الجيش السوري الحر» باباً للارتزاق كمعيار أول؟
يجيب عن هذا السؤال «ثائر» لبناني من عرسال: «لا ننكر أن ثمة مهربين
يستغلون الوضع في سوريا»، موضحاً: «إننا والجيش الحر نحتاج إلى خبرات
المهربين». ويؤكد «أبو القعقاع» العرسالي، من جهته، أن «الواجب العقائدي ــ
الطائفي هو أساس دعمنا للثورة على بشار الأسد»، مشيراً إلى أن «المصلحة
المشتركة» تقتضي التعامل مع مهربين، و«إن تدخلوا في أمور عسكرية لا
يعرفونها».
في جرود عرسال الجنوبية ــــ الشرقية يتخذ لبنانيون مع عدد من المقاتلين
السوريين في واد محصن طبيعياً موقعاً لهم. يعبرون تحت جنح الظلام إلى داخل
الأراضي السورية. قتل 3 منهم خلال الأسبوعين الماضيين، أحدهم لبناني، خلال
اشتباك مع الجيش السوري قرب مزرعة قارة السورية. لا يخفي أحد «الفدائيين»
السوريين، من خارج ما يعرف باسم «الجيش الحر»، أن المهربين اللبنانيين
«يساعدوننا كثيراً». لكن كيف أصبحوا قادة معكسرات تدريب لـ«الثوار»؟ يؤكد
«أبو الوليد» أن «المصيبة جمعتنا. كلنا نريد إسقاط الأسد». هنا يتدخل ابن
مجدل عنجر الذي نذر نفسه لدعم «ثوار سوريا» لينفي تهمة «المهرب» عن نفسه.
ويقول: «كنت أخدم في الجيش اللبناني. وعندي خبرة عسكرية كبيرة. لست
مهرّباً». ويضيف محتداً: «حتى اليوم، نفذت أكثر من عملية ضد جيش الأسد»،
مؤكداً أنه درّب 30 سورياً على استخدام السلاح.
من قرية معربون اللبنانية، صعوداً نحو الطفيل، ومنها إلى أطراف قرى عسال
الورد وحوش عرب ورنكوس السورية، خط تماس عسكري بين الجيش السوري و«الجيش
الحر» ومجموعات لبنانية تتخذ من البساتين والجرود الوعرة في شمال شرق
الطفيل من المقلب السوري مواقع قتالية لها. لا يخفي المقاتلون أن الجيش
النظامي يحاصرهم من الجنوب والشرق، وأن سيطرتهم على «جيب» حدودي مع لبنان
(أكثر من 25 كلم) وفّر لهم دعماً مقبولاً. ويقدم العقيد السوري المنشق عن
الجيش النظامي «أبو هيثم» قراءة عسكرية لما يجري هناك، مؤكداً أن غارات
المقاتلات السورية قرب الطفيل «قبل أيام لم تصب أهدافها»، وأن الصواريخ
التي أُلقيت هدفت إلى قطع التواصل مع لبنان، موضحاً أن المناطق المتاخمة
للطفيل اللبنانية، وصولاً إلى عسال الورد وحوش عرب ورنكوس والمزارع الصغيرة
المتناثرة هناك «تُعَدّ ساقطة عسكرياً بيدنا»، معرباً عن اعتقاده أن قوات
«الجيش الحر» «ستسيطر قريباً على خط حدودي مع لبنان، يضمن لها التوسع
جنوباً وشرقاً وفكّ الحصار».
بلاد بلا أخلاق
أن تكون صباحاً في أعالي جرود الطفيل وعرسال، ومساءً في مشاريع القاع،
فهذا يعني أن لعنة الجغرافيا والتاريخ والعلاقات المشتركة بين سوريا
ولبنان، ستبقى تطاردك لأنك لم تعد تفهم حقيقة ما يجري في الأودية وبساتين
التفاح. فما بين بلاد «سوا ربينا» من فرح وحزن وقتل وأوجاع تحملها ممارسات
سلطة مسّها الشيطان هنا، وقمع قاتل هناك، سيبقى الموت خبز الفقراء بلا
منازع. في أزقّة فقراء قرى المصاهرة والعلاقات الإنسانية الجميلة على جانبي
الحدود، البراءة يخنقها حوت طوائف القتل هنا... وتمساح الدموع هناك.
أن تكون في جمهوريات الحدود اللبنانية المنسيّة أصلاً وفصلاً منذ أن وجد
«لبنان الكبير»، فهذا سيدخلك الى حلبة رقص الطوائف والمذاهب، وكيف نصفي
حساباتنا اللبنانية هناك، وكيف ننقل عدوى «مذاهبنا» الى بلاد شقيقة خلف
الجبال الوعرة والسياج الأسود منذ عقود. تسمع قصص الوجع هنا وهناك، وتحزن
لموت بطيء يزحف نحو يباس الحقول. عند الحدود، تتصارع شعوب لبنان من أجل
تدمير وطن شقيق. هذا مع النظام، وذاك مع ثورة. وما بين النظام والثورة فعل
شيطان يأكل من اللحم اللبناني ـــ السوري، حيث لا فعل لنا ولهم إلا الرقص
على حدود موت بلاد بلا أخلاق.
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)